موقع الحوار
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 النظام الدولي وقيام الدولة الإسلامية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بدرالدين عياري

avatar

المساهمات : 12
تاريخ التسجيل : 06/05/2011

مُساهمةموضوع: النظام الدولي وقيام الدولة الإسلامية   الخميس مايو 19, 2011 3:26 pm

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحْيمِ
( وإنَّ هذهِ امتُكُمْ أمةً واحدةً وأنا رَبُكُمْ فاتقونِ )

مركز العروبة للدراسات الاستراتيجية

Al-Orooba Center for Strategic Studies
العراق – بغداد

Iraq – Baghdad
ساحة التحرير – عمارة التحرير

Al-Tahrier Square – Al-Tahrier Building
E-mail: oroobayassen@yahoo.com
oroobayassen.maktoobblog.com



النظام الدولي وقيام الدولة الإسلامية
(دراسة تحليلية)





ياسين جبار الدليمي

oroobayassen@yahoo.com
oroobayassen.maktoobblog.com


النظام الدولي وقيام الدولة الإسلامية
(دراسة تحليلية)


الدولة تمثل السلطة العليا (جماعات كما في التنظيمات السياسية) أو أفراداً كما هو في (الملوك- الشيوخ – الأمراء) حيث تقوم الدولة على أسس معينة سواءاً كانت دستورية أو عُرفية وتتولى الحكومة ممارسة السلطة السياسية عبر الأسس المحددة دستورياً – عرفياً – قانونياً حيث تتحدد هنا العلاقة بين الفرد (المواطن) والدولة على أسس تبادلية بينهما تحكمها الاحترام للحقوق والحريات العامة وحمايتها بمقابل خضوع المواطن لنظام الدولة وقوانينها وقيام الفرد المواطن بأداء ما يترتب عليه من واجبات عامة التي قد وقعت عليه نتيجة بحكم المواطنة في الدولة.
وحديثاً ظهرت الدولة ككيان سياسي – قانوني متميز عن غيره من الكيانات إلا بعد نيل الاستقلال والاعتراف بها ضمن حدودها السيادية كما حصل الكثير من دول العالم في فترة تصفية الاستعمار واستقلال هذه الدول عن الاستعمار سواء كان في الحروب الاستقلالية التحررية أو النضال التحرري السلمي كما حدث في الهند أو بالمنحة من المستعمر أو بإنهاء الانتداب أو الوصاية ، بغض النظر ان كان الاستقلال حقيقياً أو شكلياً / اضطراراً / خضوعاً / أو تسليماً طوعياً استجابةً لقرارات الأمم المتحدة في عام 1960م والقاضي بمنح الشعوب والدول الخاضعة للسيطرة الاستعمارية استقلالها وقد جاء ذلك بفعل وتأثير قوة ا لرأي العام وتطور نضالات الشعوب كما حدث في أفريقيا – وجنوب شرق آسيا – وأمريكيا اللاتينية.

الـدولـة:
كيان سياسي – قانوني متميز عن غيره من الكيانات محدد بأطر معينة إشتراطية التأسيس والتكوين والدولة واقعاً ومفهوماً من مؤسسات التنظيم السياسي وان كانت الدولة ابرز وأكبر مؤسسة في النظام السياسي.
لقد عرفت المدن قديماً نوعاً من التنظيم السياسي والإداري الذي حدد المدن وكأنها دولاً قائمة بشخص الحاكم المسيطر والمهيمن على مقاليد الحكم في الجماعات أو الجماعات. كما في بلاد الرافدين (العراق) ومصر وروما وبتوحد المدن طوعاً أو قسراً قامت الدولة ومن ثم الإمبراطوريات كما حدث في مدن جنوب العراق وبابل ونينوى والمدن اليونانية قديماً لتمتد إلى القرون الوسطى في أوربا وتجلى ذلك في سيطرة الإقطاع والفرسان ومن ثم سيطرة رأس المال حديثاً .
ومع بزوغ شمس الإسلام برز بوضوح استقلال الدولة عن الحكام فسلطة الخليفة ما هي الا نيابة عن الأمة عبر البيعة التامة المستندة على الرضا . واعتبار البيعة ذمة في الرقاب وحديثاً ظهرت فكرة الدولة بعد عصر الاستكشافات الجغرافية حيث بدأ الفصل بين الحاكم والسلطة السياسية بمفهومها ومعناها الصحيحين من جديد . فنجد الدولة قد أخذت أشكالاً متعددة من حيث التكوين :
1- الدولة الموحدة البسيطة
2- الدولة المركبة
3- الدولة الاتحادية المركزية
4- الدول المتعاهدة
أو من حيث السيادة :
1- دولة تامة السيادة
2- دولة ناقصة السيادة
وهنا نجد لزاماً ان نعرّف الدولة التي أخذت عدة تعريفات من الفقهاء لكنها تشترك تقريباً في عدة عناصر ، الشعب / الإقليم / السلطة السياسية / التنظيم السياسي السيادة - الاعتراف.

تعريف الدولة :
1- الدولة هي جماعة من الناس يعيشون بصورة دائمة فوق اقليم جغرافي محدد ويخضعون لسلطة سياسية معينة .
2- الدولة في لغة السياسة هي: أحدى مؤسسات النظام السياسي وتملكها لوسائل القسر لإطاعة أوامرها.
3- الدولة: هي التعبير الرسمي عن المجتمع بأكمله وهذا سيقود مرادفاً للنظام السياسي.
ومن هنا نجد ما يثيره الدولة من خلافات بين فقهاء القانون الدولي العام وفقهاء القانون الداخلي في مختلف النظم القانونية بسبب الالتباس والغموض المحيط بظاهرة الموضوع ألا وهو الدولة باعتبارها ظاهرة متعددة الصور حيث اقتصارها تعريفاً بمرجعية هذه الصور . أو بتعدد العناصر بذكر بعض هذه العناصر عن غيرها ، مما اثار هذه الخلافات بل وتنازع الفقهاء حول تعريف محدد للدولة – سواءاً كان ذلك متمثلاً بظاهرة القوة المادية للدولة .. أو ان الدولة هي التنظيم السياسي والاقتصادي والقانوني المؤدية إلى خلق نظام اجتماعي مدني .. أو أن الدولة واقعاً قانونياً وهنا يثار التساؤل : هل الدولة هي واقعاً ومفهوماً من مؤسسات النظام السياسي ؟ الجواب نعم إن الدولة ابرز واكبر مؤسسة في النظام السياسي . وبما ان النظام السياسي يضم العديد من المؤسسات السياسية عبر الدولة لكن الدولة تتميز عن غيرها بامتلاكها سلطة الإكراه. والدولة هنا لها معنيين :
1- إحدى مؤسسات النظام السياسي – المعنى الضيق .
2- معبرة عن المجتمع رسمياً – المعنى الواسع.

أركـان الدولـة:
1- الشعب: هو الركن الأول لقيام الدولة. وبدون الشعب لا قيام للدولة. والشعب هم جماعة السكان الذين يتوافقون على العيش معاً في ترابط وانسجام ، ويقيمون بصفة دائمة في اقليم معين ويخضعون لسلطان دولة معينة ويتمتعون بحمايتها. ولا يشترط لقيام الدولة وجود عدد معين من السكان. فصغر نفوس (السكان) دولة ما أو أعدادهم الكبيرة لا يؤثر بالمركز القانوني للدولة وما يتصل به من حقوق وواجبات وهنا نجد مفهومين :
الأول: السكان: وهو الأوسع مضموماً من اصطلاح الشعب (ان السكان يشملون المواطنين والأجانب الذين يعيشون على أرض الدولة)
الثاني: الشعب: هم رعايا الدولة ومواطنيها الذين يتمتعون بجنسيتها والشعب في الدولة الإسلامية أو دار الإسلام فكان المحدد له هو الدين الإسلامي فالمسلمون هم الشعب وغيرهم فهم الأجانب وهم على نوعين :
أ‌- الذمي – المقيم إقامة دائمة بمقتضى عهد الذمة.
ب‌- المستأمن – المقيم إقامة مؤقتة.
وحديثاً يتم التمييز بين طائفتين من الأشخاص :
أ‌- الوطنيون: الأفراد الذين تربطهم بالدولة رابطة الجنسية والمتمتعون بالحقوق الخاصة والعامة أو السياسية والخاضعون لأشد الالتزامات عبئاً في مواجهة الدولة.
ب‌- الأجانب: الأفراد الذين لا تربطهم بالدولة المقيمين بها رابطة الجنسية بل وتربطهم رابطة الإقامة.
والشعب في النظم السياسية السائدة يقسم إلى قسمين :
‌أ- الشعب الاجتماعي: سكان الدولة المتمتعين بالجنسية .
‌ب- الشعب السياسي: سكان الدولة المتمتعين بالحقوق السياسية التصويت – الانتخاب – الترشيح لمناصب.
‌ج- الشعب القانوني : رابطة الجنسية.

الإقـلـيم:
وهو شرط ضروري لقيام الدولة فهو يشمل الأرض / الحيز المائي والمجال الجوي – الذي تباشر الدولة عليه سيادتها وتفرض فوقه نظامها القانوني تطبيقاً.
والإقليم هو النطاق المادي الذي تمارس عليه الدولة سيادتها وسلطتها ويقيم الشعب فيه بصورة دائمة . ويتميز الإقليم بصفتين :
1- الثبات: إقامة الشعب بصورة دائمة على عكس القبائل الرحل كما هو حال البدو/ والغجر في أوربا الوسطى.
2- الحدود الواضحة : حيث تمارس الدولة نشاطها وينتهي عندها اختصاص السلطات الحكومية .
وقد برزت من الحدود نظريات استعمارية هي :
‌أ- الحدود العائمة الاتحاد السوفيتي (سابقاً) المنتجة لدولة متحركة الحدود.
‌ب- الحدود المتحركة مع الدولة القوية. وأستطيع القول هنا
‌ج- دولة قوية بقطبية واحدة عبر العولمة من خلال تمدد الأمن القومي الأمريكي عالمياً والعابر للقارات.
الحكـومـة :
هي هيئة تتولى ممارسة السلطة لحكم الشعب والإشراف عليه ورعاية مصالحه، وإدارة الإقليم وحمايته، وتعميره وتنظيم استغلال ثرواته.
وهي الحكام الذين يقبضون على القوة الحاكمة (السلطة السياسية) فالحكومة هنا تعني مجموعة من الأشخاص يمسكون بالسلطة وتكون أوامرها مطاعة من قبل المحكومين (الشعب) إذن الحكومة هي سلطة آمرة. والسلطة لا توجد لوحدها أو لذاتها بل يمسك بها ويمارسها احد ما أو مجموعة من الأشخاص. فبدون القابض أو القابضين على السلطة لا يمكن إدراك معنى السلطة. فالحكومة تبسط سلطانها وتنفذ أوامرها عن طريق القوة والردع كما هو في التوارث والانقلابات العسكرية أو عند الإضطرابات والحروب الأهلية. والحكومة قد تنال الرضا من الشعب فتصبح سلطة قانونية مشروعة استناداً على رضا المحكومين وقبولهم لهذه الحكومة فمسألة الرضا بالسلطة هي مسألة جد هامة لبقاء الحكومة وهيمنتها على المحكومين ووسمها بالمشروعية ومن هذا قد قسم فقهاء القانون والسياسية التمييز بين الحكومات شكلاً:
1- الحكومة المطلقة
2- الحكومة الاستبدادية
وكذلك بالإمكان أن نميز السلطة عبر مميزات هي:
1- سلطة عامة عليا
2- سلطة أصيلة ومستقلة
3- قيامها يسبق القوانين الوضعية لتحقيق مصلحة عامة وضمان تنفيذها بالقوة.
4- احتكار القوة العسكرية المادية التي تجعلها قوة امرة بل وقاهرة تسيطر على ارجاء الدولة. وتفردها بالقوة المسلحة الوحيدة من دون منافس أو منازع وتحت سيطرتها قيادةً وإشرافاً وتوجيهاً.
أما فقهاء المسلمين فقد أعطوا قضية رئاسة الدولة الإسلامية اهتماماً وعناية كبيرتين وأبرزهم ابن خلدون في مقدمته فقد حدد فلسفته في الدولة والأساس الذي تقوم عليه (سياسة عقلية) أم قوانين سماوية (سياسية ودينية). وما يهمنا هو رئاسة الدولة (الحكومة) بغض النظر عن كونها: خلافة (بالشورى وبالبيعتين) أم إمامة فاعتبرها ضرورة (الحكومة) اجتماعية وهي ضرورة سياسية وابن خلدون قد انطلق بمرجعية الفكر الإسلامي هل الخلافة والإمامة واجبة ؟؟ واستناداً إلى آيات الخلافة في القرآن الكريم:
(( إني جَاعِلٌ في الأرْضِ خَليفة ))
(( يا داودُ إنا جعلناكَ في الأرضِ خليفة ))
((وَعَدَ اللهُ الذينَ آمنوا منكمْ وَعَمِلوُا الصالحاتِ ليستخلِفَنََََّهم في الأرضِ))
وقد جاء في الأحكام السلطانية في صدد الإمامة: (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب الإجماع، ويتضح لنا من النص أن الخلافة لها جانبان أو وظيفتان:
1- حراسة الدين
2- سياسة الدنيا
إذن الخلافة هي سلطة دينية ودنيوية. والإمامة هنا معناه الخلافة وعقدها البيعة لا الوراثة. فالإسلام لا يقر قيام الخلافة على أساس الوراثة، وخلافة الخلفاء الأربعة بعد وفاة الرسول r قد بُنيت على البيعة التامة (البيعة الصغرى – البيعة الكبرى ).
هذا هو الاتجاه الأول المنادي بكون (الخليفة – الإمام – الحاكم) له رئاسة عامة في الدين أو الدنيا أي نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا وهنا يكون الخليفة – الإمام – الحاكم جامعاً بين يديه السلطتين الدينية والدنيوية معاً. وعليه يرى أصحاب هذا الرأي ان الإسلام ليس بمعزل عن السياسة والدولة والمجتمع .
أما الاتجاه الثاني فهم أصحاب القول الإسلام دين فقط لا شأن له بالسلطة أو السياسة استناداً على قول الرسول العربي الأمين r انتم اعلم بشؤون دنياكم فالإسلام أبداً لم يقيد المسلمين بنوع معين من انواع الحكم ، بل ترك للمسلمين حرية الاختيار ربما يرونه مناسباً لهم من دون تدخل الهي محدد أو ملزم (سواءً القول بالنص الجلي أو النص الخفي لتحديد الإمام استناداً على النص أو بالصفات) .
إن الفصل بين الدين والسياسة أو الدولة فصلاً غير مقصور برأينا وغير قابل للتحقيق في الدولة الإسلامية لان الحاكم من واجبه الأساسي والمباشر هو حراسة الدين وسياسة الدنيا فلا اندماج بين السلطتين للحاكم (الدينية – الدنيوية) والإسلام لا يفصل بينهما بل الإسلام يميز بين السلطتين (الدينية – الدنيوية) اي بين الدين والدولة. فالإسلام لا يفصل بينهما ولا يعتمده اساساً ولا يعتمد الدمج بينهما لكنه يميز بينهما عبر موقف وسطي تمييزاً بين الدين والسلطة والسياسة فالإسلام ينكر طبيعة السلطة الحاكمة باسم الدين فكم من ملك عضوض وملك جبري ادعى الإسلام عبر بيعة مزيفة أو عبر تكييف النص من خلال وعاظ السلاطين. وأما القول أن الرسول r قد حكم مستمداً سلطاته دينياً لا لم يكن كذلك بل سلطانه ما هو إلا امتداد للوحي فكانت ولايته روحية أي ولاية حاكم مادي وباعتبارها سلطة سياسية دينية. فالإسلام لم يعرف الكهنوت ولا سطوة رجال الدين .
الدولة الدينية – الدولة الإسلامية:
ان شكل الدولة في العالم العربي والإسلامي قد أخذ اشكالاً متعددة تجسد:
1- حكم الشريعة الإسلامية في الخلافة الراشدية وبالبيعة التامة .
2- حكم الشريعة وتكييف النصر الشرعي بما يخدم الحاكم أو السلطان أو المذهب السائد عبر (وعاظ السلاطين).
نعم إن السلطة باباً للمفسدة إن لم تكن بيد أمينة رشيدة ورعة فالسلطة المطلقة بابُ للمفسدة المطلقة. وقد جاءت الدعوات ادعاءاً بالدولة الدينية تحت جلباب الدين تحقيقاً لمصالح السلطان أو الطالب للسلطة والمفضي هذا إلى فساد الحاكم الذي تحول مع السلطة إلى استبداد ديني وسياسي معاً .
إن حاكمية الله تعالى في الأرض ترعرعت ونمت في الخلافة الإسلامية وتبنتها المعارضة الرافضة لبيعة سقيفة بني ساعدة لاحقاً. فجاء قتال المخالفين بالسيف والشريعة نعم ان العبودية لله تعالى ولسنة نبيه ، فلم يتنازل المسلمون عن حريتهم لشخص أو هيئة. لقد تجسد الاستبداد السياسي والديني قبل نزول الرسالة المحمدية فكم شهد العالم القديم من ملوك وأباطرة اخذوا صفة الألوهية والتفويض الإلهي في الحكم وصكوك الغفران الكنسية لاحقاً في أوربا عبر كهنوت الكنيسة وفي العصور المتأخرة ظهر في العالم العربي والإسلامي مصطلح (يا عدو الله) للمعارض السياسي والمصطلح الديني المُريد أحكام شرع الله تعالى ناصحاً للسلطان المبتعد عن حكم الشريعة ولنا من شواهد تنازع المذاهب والمدارس الفقهية دليلاً على ذلك وحسب تحالفاتهم السياسية مع مؤسسة الدولة العربية الإسلامية فتنازع أبو الحسن الماوردي المناصر للعباسيين مع الاوزاعي المناصر للأمويين وحديثاً جاءت دعوة أبو الأعلى المودودي لقيام دولة إسلامية بمعطيات جديدة بإعطاء خيارات سياسية للناس بما لا يخالف التعاليم الإسلامية وبما يتناسب مع ظروف الأمة زماناً ومكاناً ووفق مرحلتها المعاشة.
أما في الجانب التنظيمي والسياسي للدولة الإسلامية فقد حددت الشريعة الإسلامية عبر الجزيئات مكنه وفسحة للاجتهاد فالإسلام لم يقيد المسلمين بنوع معين من أنواع الحكم بل ترك لهم حرية ما يرونه مناسباً لهم فالإسلام قد فتح باب الاجتهاد من خلال تفصيل ما لا يتغير وإجمال ما يتغير وهذا بحد ذاته أعطى للشريعة الإسلامية خلوداً ودواماً ومرونةً من خلال الاجتهادات المستنبطة من نصوص الوحي كأحكام شرعية عملية في ساحة العمل السياسي والإسلام لم يضع تفاصيل (قيم نهائية مطلقة) غير القابلة للتغيير أو التبديل فالإسلام يسعى للتطوير حسب ظروف العصر. فجاءت الأحكام الشرعية الخاصة بالجزئيات السياسية عامة وتاركة الفسحة للفقهاء والمجتهدين لاستنباط الأحكام التفصيلية لأنها تتغير بتغير ظروف الزمان والمكان فالقرآن الكريم قد اقتصر على الكليات (القواعد العامة) وليكون للناس ولولاة الأمور في كل عصر في سعة من أن يسنوا قوانينهم حسب مصالح الأمة وحسب زمانهم في حدود أسس القرآن الكريم من غير تصادم بحكم جزئي.

الشريعة الإسلامية :
يثار ولم يزل يثار وصماً واصطلاحاً حديثاً للشريعة الإسلامية بعدم الصلاحية لان زمانها غير هذا الزمان وهذا مرده لأهداف سياسية وفكرية مضادة واستراتيجية حسب معطيات مراكز صنع القرار في القوى العالمية المعادية للعرب والإسلام طمعاً بخيراتهم ومواردهم وموقعهم الجغرافي وتصارع هذه القوى تنافساً على الأمتين العربية والإسلامية. وبالمقابل نجد من كل هذا وذاك فريقين يروجون لهذا الطرح:
الفريق الأول: لم يدرس الشريعة ولا القانون .
الفريق الثاني: درس القانون ولم يدرس الشريعة وكلا الفريقين ليسا اهلاً للحكم على الشريعة الإسلامية لأنهما يجهلا أحكامها جهلاً مطبقاً . ومن جهل شيئاً لا يصلح للحكم عليه.
فالشريعة الإسلامية لم تكن ابداً بنشأتها كنشوء القانون والقواعد الوضعية ولم تكن هكذا. بل ان الشريعة قد نزلت كاملة شاملة جامعة ومانعة لا ترى فيها عوجاً. فهذه الشريعة نزلت من الله تعالى إلى قلب النبي العربي الأمين محمد r : ((اليومَ أكملتُ لكُمْ دينكم وأتمتُ عليكُم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلامَ ديناً)) سورة المائدة: 3.
فالشريعة الإسلامية لم تأتِ للزمان المحدد بل هي شريعة كل وقت وزمان وعصر فهي شريعة الزمان كله حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
مميزات الشريعة الإسلامية:
1- الكمال 2- السمو 3- الدوام
ومن كل ما تقدم نجد أن قيام الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي ووحيد كدستور قائم في دولة إسلامية يتطلب من المقومات والضمانات لقيام هذه الدولة تبدأ من الرعية والراعي معاً دونما فصلاً بينهما عبر الخضوع لأحكام الشريعة وباشتراطات القيام والكمال والتمام وهذا لا يتم ولن يقوم إلا بوجود أسس واشتراطات التكوين والتأسيس الصادق بكفالة المجتمع ككل وحمايته لها يتطلب زماناً كافياً تطبيقاً ومكاناً متقبلاً ومؤمناً بكل وبمجمل الأحكام التفصيلية للشريعة الإسلامية.

الدولة الإسلامية (تنظيمياً – سياسياً – سلطة الحاكم):
لقد حددت الشريعة الإسلامية في الجانب التنظيمي والسياسي للدولة عدة مبادئ لتحديد سلطة الحاكم، وتقيدها وفق النصوص وإلزامهم بان يحكموا في حدود معينة ليس بمقدورهم تجاوزها فوضعت عليهم المسؤولية عن أخطائهم أو عدوانهم على حقوق الرعية. وهذه المبادئ هي :
1- وضع حدود لسلطة الحاكم .
2- مسؤولية الحاكم عن عدوانه وأخطائه.
3- تخويل الأمة حق عزل الحاكم.
فمهمة الحاكم في الشريعة ان يخلف رسول الله rفي حراسة الدين (والحاكم يسمى اصطلاحاً بالإمام) فسلطة الحاكم ليست مطلقة فهو فرد من الأمة اختير للقيادة وعليه التزامات وله على الأمة حقوق.
مسؤولية الحاكم :
أما مسؤولية الحاكم عن عدوانه وأخطائه فقد بينت الشريعة الإسلامية للحاكم حقه وواجبه وألزمته بان لا يخرج عن أحكام الشريعة الإسلامية.
أما تخويل الأمة حق عزل الحكام فالإمامة تنعقد بناءاً على عقد يختار فيه الشعب الإمام. ويلتزم بالطاعة في مقابل التزام الحاكم بالإشراف على شؤون الأمة وقيادتها في الطريق التي رسمتها الشريعة الإسلامية – وخروج الحاكم عن هذا – فعليه ان يتنحى عن مركزه لمن هو أقدر وأكفأ منه على الحكم في حدود ما انزل الله تعالى فان لم يتنحَ الحاكم مختاراً نحاه الشعب مكرهاً واختار غيره.
فالشريعة الإسلامية قد حددت سلطة الحاكم في وقت كان ولم تزل سلطة الحكام مطلقة فجاءت الشريعة الإسلامية مقيدة لسلطة الحكام. فكم من القوانين الوضعية قد أخذت من الشريعة مبدأ تقييد السلطة. واليوم نقف قولاً بعدم صلاحية هذه الشريعة ونحن أهلها بعد أن أهملنا الشريعة الإسلامية وترك أحكامها وبالمقابل نطالب بقيام الدولة الإسلامية تارة وبالدولة القانونية تارةً أخرى.
الدولة الإسلامية :
بعد ان تم لنا استعراض الدولة ومفهومها والوقوف على اركانها ومعرفة اركانها المادية والمعنوية فإننا نقف هنا لنقول ان الدولة قائمة في المفهوم الوضعي باعتبارها قد استكملت شروط التأسيس وحوزها على الشخصية القانونية الاعتيادية كشخص من شخصيات القانون الدولي فيجيز لنا الوصف هنا انها تمتلك وصف الدولة، وهل هذا يكفي لقيام الدولة ان توصف انها دولة إسلامية ؟
فالدولة باكتمال عناصرها التأسيسية واشتراطاتها التكوينية فهي دولة نعم وفق تعريف القانون الدولي لكنها لم تكتسب الصفة الإسلامية فالدولة الإسلامية يضاف لها وسماً ووصفاً انها دولة إسلامية لابد لها من:
1- تمتعها باشتراطات واساسيات التكوين كي تكون دولة قائمة .
2- تطبيق الشريعة الإسلامية في كل مناحي ومفاصل وتكوينات الدولة تطبيقاً تاماً وفق أحكام الشريعة الإسلامية.
3- ان تكون الشريعة الإسلامية سامية على كل القواعد القانونية وحاكمة لسياسات الدولة الداخلية والخارجية وهذا السمو يعطيها العلو والانفرادية على غيرها من القواعد القانونية في الدولة الإسلامية وباستكمال تطبيق الشريعة الإسلامية وفق ما انزل الله من أحكام ، عليه يمكن الوصف وصفاً على الدولة انها دولة إسلامية باشتراطات الوقائع والنتائج من تطبيق الشريعة (حكم الله في الأرض)
4- وجود الأطر المؤمنة اساساً بالشريعة الإسلامية القادرة على الاسقاط على الأرض الاجتماعية الاحكام التفصيلية والشرعية للشريعة الإسلامية بتجرد لوجه الله تعالى عبر ادوات صادقة متكيفة مع معطيات العصر وحركة المجتمع التاريخية وجوهرها الإنساني دون الابتعاد عن واقعها وظروفها الزمانية والمكانية
5- تحكيم الإسلام وهو مجموعة القواعد والاحكام المتعلقة بالعقيدة والتشريع الإسلامي الذي يتحدد بمقتضاها الاطار العام الذي يلتزم به المسلمون (حكام ومحكومين) فالتحكيم الإسلامي يحدد نطاق السلطة العامة ويحدد اهدافها وعلاقاتها الدولية في الحرب والسلم والجهاد وعلاقتها بسلطات الدولة ذاتها من جانب كونها سلطة ومن جانب علاقتها مع المحكومين مسلمين كانوا أو غير مسلمين.
نعم ان الشريعة الإسلامية سامية وكاملة ودائمة فهي صالحة لكل زمان ومكان إلى ان يرث الله تعالى الأرض ومن عليها. فالشريعة كاملة لكن العلة بمن يطبقها والاخذ باحكامها تطبيقاً واعياً رشيداً . وبالمقابل نجد من يتخذ الشريعة مصدراً من مصادر التشريع الوضعي وليست المصدر الاول والاساسي في التشريع وسن القوانين وهذا مما غمط حق الشريعة وحق العباد معاً.
وحال التطبيق العلمي والعملي للشريعة الإسلامية وبادواتها الصادقة فاننا سنجد كمال ودوام الشريعة عبر اكتمالها وديمومتها ونجني قطافها عدالة وخير عميم جالبةً للمصالح وطاردةً للمفاسد .
ومع كل ما تقدم هل يسمح النظام الدولي القائم حالياً على تفردية قطبية واحدة قيام دولة الإسلام المطبقة لاحكام الشريعة الإسلامية والخاضعة خضوعاً كاملاً لهذه الاحكام كفالةً وتطبيقاً ؟؟
فالجواب حتماً هو لن تسمح معطيات هذا النظام الدولي بقيام هذه الدولة لان اسس واشتراطات تكوين هذا النظام بقطبيته الواحدة قائماً على ثنائية الصراع القائم حالياً يقوم اصلاً على مبدأ الصراع الاممي لسيادة العالم عبر خلق التصادمية المختلقة بينه وبين الإسلام كونه ديناً ورسالة سماوية موجه للعالم اجمع. وما الدعوات الثائرة من كون الإسلام حاضناً ومولداً للارهاب العالمي الا من اشتراطات فكرية واختلاق هذا الصراع بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانحسار المد الشيوعي باعتبار تصارع الاشتراكية مع الرأسمالية عبر الساحة الاممية ، فاصل الرأسمالية وتطورها تصارعاً من خلال مراحلها الحركية المنتجة للامبريالية نعم اصلها يقوم على مبدأ الصراع والتصارع الاممي وقد شهد القرن الماضي تصارعاً اممياً بين الشيوعية ومدرستها الفكرية – الاقتصادية – النفوذ متمثلة بالاشتراكية وبين الرأسمالية ومدرستها الفكرية الاقتصادية والنفوذ من خلال تجسيدات المذهب الفردي الحر واقتصاد السوق الحر والاستحواذ على مصادر المواد الاولية – الاسواق والهيمنة الثقافية – الاقتصادية وتأمين خطوط المواصلات عبر القواعد العسكرية فرضاً تأجيراً احتلالاً مباشراً أو غير مباشر عبر الربط بين الدول ومركز الاستقطاب من خلال التطبيق العلمي والعملي لنظرية الارتكاز وسد الفجوات الاقتصادية والسياسية بين المركز والاطراف . فجاء انهيار الاتحاد السوفيتي وغياب طرق الصراع فلا بد من عدو وهمي بصفة اممية فلم يكن غير الإسلام العدو الذي لابد من التصارع معه في الساحة الدولية عبر منهجية مدروسة وتشويقاً احادياً في عالم القطبية المنفردة وبمعطيات العولمة لبوساً والتباساً سياسياً وفكرياً واعلامياً مبرمجاً تجسد بتسويق الغزو الامريكي لافغانستان والعراق وخلف بؤر التصارع والصراعات الموهومة أو المختلفة انفاذاً للفوضى الهدامة للشعوب والخلاقة لهذا الصراع الموهوم ومن معطيات ما تقدم لا يمكن قيام دولة إسلامية على قاعدة الشريعة الإسلامية الحقة وفق مسارات هذا الصراع وان ما نراه من تسويق اسلامي برداء العولمة ما هو الا اسلام مشوه قد ولد وترعرع تحت عباءة هذا الصراع ليأخذ شرعية دولية من خلال مناداة أحزاب المارينز وحاضنات المشروع الامبراطوري الامريكي.
واننا نرى الإسلام باقٍ رغم دعارة البعض من اهل الإسلام .
الإسلام دائم إلى ان يرث الله الأرض وما عليها
((إنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))
ياسين جبار الدليمي


المصــادر والمراجــع
1- الاحكام السلطانية / القاضي ابي يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلي دار الكتب العلمية / بيروت .
2- التشريع الجنائي الإسلامي / الجزء الاول / عبدالقادر عودة / دار الكاتب العربي / بيروت.
3- النظم السياسية / د. عبدالغني بسيوني عبدالله.
4- القانون الدستوري/ د. منذر الشاوي .
5- القانون الدولي العام / د. عصام العطية .
6- أحكام القانون الدولي العام / د. حامد سطان .
7- القانون الدولي العام في السلم والحرب / دار الشافعي محمد بشير.
8- الانظمة السياسية / د. صالح جواد كاظم / د. علي غالب العاني.
9- النظام العربي / د. عصمت سيف الدولة / محاضرة مطبوعة.
10- المشروع الامبراطوري الامريكي واسس التكوين / مركز العروبة للدراسات الاستراتيجية / محاضرة مطبوعة / بغداد.
11- فقه القانون الدولي الإسلامي / د. صلاح الدين الناهي / بغداد .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
النظام الدولي وقيام الدولة الإسلامية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الثقافة العربية :: الدولة والهوية-
انتقل الى: