موقع الحوار
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 السببية فى الفكر الاسلامى:أصولها الفكرية ونتائجها التطبيقية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صبرى محمد خليل خيرى



المساهمات : 112
تاريخ التسجيل : 08/05/2011

مُساهمةموضوع: السببية فى الفكر الاسلامى:أصولها الفكرية ونتائجها التطبيقية   الخميس أبريل 12, 2012 9:17 pm

[[b[b]]السببية فى الفكر الاسلامى:أصولها الفكرية ونتائجها التطبيقية
د.صبري محمد خليل أستاذ بجامعه الخرطوم(تخصص فلسفه القيم الاسلاميه) sabri.khalil@hotmail.com
أولا: الأصول الفكرية للمفهوم الاسلامى للسببية : يستند المفهوم الاسلامى للسببية إلى المفاهيم القرانيه الكلية ( التوحيد والاستخلاف والتسخير)، التي يستند إليها التصور الاسلامى للوجود .
مفهوم التوحيد: ومضمونه إفراد الالوهيه و الربوبية لله تعالى ،فهو ينقسم إلى توحيد الالوهيه وتوحيد الربوبية - موضوع البحث هنا - ، ومضمون توحيد الإلوهية أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة للموجودات ، يقول ابن تيمية ( .... ولكن المراد المستعان على قسمين: منه ما يراد لغيره ..... ومنه ما يراد لنفسه فمن المرادات ما يكون هو الغاية المطلوب فهو الذي يذل له الطالب ويحبه وهو الإله المعبود ومنه ما يراد لغيره).أما مضمون توحيد الربوبية فهو أن الله تعالى ينفرد بكونه الفاعل المطلق فى الوجود ،يقول ابن تيميه في معرض رفضه لاستدلال المتكلمين على وجود الله بطريقه الأعراض الدالة على حدوث الأجسام( إن هذا المسلك مبنى على امتناع دوام كون الرب فاعلا وامتناع قيام الأفعال الاختيارية بذاته) (ابن تيميه، درء التعارض،1/98.)، و الصفة هي ما دل على وجوده تعالى ،أما الذات هي عين وجوده تعالى، بناءا على هذا فان لهذا الفعل المطلق"مضمون الربوبية" ظهور صفاتي، وظهور ذاتي.
أما الظهور الصفاتى فهو مقصور على الحياة الدنيا ،وطبقا له فان عالم الشهادة قائم على ظهور صفات الربوبية"اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى"، يقول ابن القيم( فالكون كما هو محل الخلق والأمر مظهر الأسماء والصفات فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها).وله شكلين:
الاول :تكليفي: يتمثل في القواعد الامره والناهية التي مصدرها الوحي، يقول ابن القيم( القران كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته)،وهنا نجد شكل من أشكال السببية، مضمونه ان هذه القواعد الامره الناهية، التي مصدرها الوحي قائمه على الشرطية" السببية التكليفيه"،.
الثاني:تكويني: يتمثل في السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى ، يقول تعالى( سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً) ،ويقول تعالى ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين)، يقول ابن تيميه(المخلوقات كلها آيات للخالق والفرق بين الايه والقياس إن الايه تدل على عين المطلوب الذي هو أيه وعلامة عليه)( ابن تيميه، مجموع الفتاوى،1/48)،والسببية هي مضمون هذه السنن الالهيه،وهى قائمه على تحقق المسبب(المعلول) بتوافر السبب(العلة) وتخلف المسبب بغياب السبب " السببية التكوينية". وهذه السنن الالهيه على نوعين:
أولا: السنن الالهيه الكلية:التي تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة المسخرة والإنسان المستخلف:وهى ثلاثة:ا/الحركة: "والفلك تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من ماء فأحيى به الأٌرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون".ب/التغير: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".ج/التأثير المتبادل: وهى ما يمكن استخلاصها من مفهومي الغنى والفقر، فالله تعالى غني وكل ما سواه فقير، وهذا الفقر نوعان: فقر إلي الله تعالى، وفقر إلي غيره من المخلوقات، والنوع الأخير هو ما يعبر عنه علميا بالتأثير المتبادل.
ثانيا:السنن الالهيه النوعية: وهى التي تضبط حركة نوع معين من أنواع الوجود الشهادى ،كسنه "الكدح إلى الله " ( اى الترقي الروحي المادي من خلال صراع المتناقضات في ذات الإنسان)، والتي تضبط حركه الإنسان المستخلف " يا أيها الإنسان انك كادح إلي بربك كدحا فملاقيه".
أما الظهور الذاتي فله شكلين :الاول: مطلق،وهو مقصور على الحياة الاخره، ومضمونه ظهور عين هذا الفعل المطلق،وبالتالي إلغاء حتمية السنن الالهيه التي تضبط الوجود الشهادى،وانتفاء التلازم بين السبب والمسبب فى هذه السنن ،والثاني: محدود وهو مقصور على الحياة الدنيا ،و يتمثل فى معجزات الأنبياء، ومضمونه إلغاء حتمية السنن الالهيه التي تضبط حركه ظاهره من ظواهر الوجود الشهادى،وانتفاء التلازم بين السبب والمسبب فى هذه السنن
يترتب على ما سبق:
أولا: إثبات السببية جزء من العقيدة الاسلاميه : ان مفهوم السببية فى التصور الاسلامى للوجود يستند أولا إلى مفهوم توحيد الربوبية ، إذ هي مضمون السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى،. والتي هي ظهور صفاتي للربوبية ، فإثبات السببية إذا هو جزء من العقيدة الاسلاميه التي تقوم على مفهوم التوحيد ،وهنا يلتقي التصور الاسلامى للوجود مع كل المذاهب التي تثبت السببية ،ويفترق عن كل المذاهب التي تنفيها. يقول ابن القيم( فلا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى، وإن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، وإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد من هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً ولا توكله عجزاً) ،ويقول أيضا (والله أمر القيام بالأسباب فمن رفض ما أمره الله أن يقوم به فقد ضاد الله في أمره )، ويقول ابن تيميه فى معرض رده على من زعم أن من تمام التوكل ترك الأسباب ( وهذا القول وأمثاله من قلة العلم بسنة الله في خلقه وأمره ، فإن الله تعالى خلق المخلوقات بأسباب ، وشرع للعباد أسباباً ينالون بها مغفرته ورحمته وثوابه في الدنيا والآخرة. فمن ظن أنه بمجرد توكله مع تركه ما أمره الله به من الأسباب يحصل مطلوبه وأن المطالب لا تتوقف على الأسباب التي جعلها الله أسباباً لها فهو غالط)،ويقول ابن حجر (إن الدنيا دار الأسباب (.
ثانيا: السببية هي مضمون السنن الالهيه: وإذا كانت المذاهب المادية فى السببية قائمه على تصور أساسه ان السببية هي مضمون "قوانين طبيعية" تضبط حركه الوجود الشهادى، فان المفهوم الاسلامى للسببية قائم على تصور أساسه ان السببية هي مضمون "سنن إلهيه" تضبط حركه هذا الوجود ، و الفارق بين التصورين ان التصور الأول باستخدامه لمصطلح "قوانين طبيعيه"، ينظر إلى الطبيعة بمعزل عن خالقها،وينظر إلى السببية كوجود قائم بذاته ومستقل عن غيره، أما التصور الثاني فانه باستخدامه لمصطلح "سنن إلهيه" ينظر إلى الطبيعة من خلال علاقتها بخالقها،وينظر إلى السببية كوجود قائم بغيره هو الفعل الالهى المطلق " الربوبية" من حيث هي ظهور صفاتي له، لذا ميز علماء أهل السنة بين مصطلح الأخذ بالأسباب،الذى يعبر عن التصور الثاني ، ومصطلحات كالتفات القلب إلى الأسباب او اعتماده عليها ... التي تعبر عن التصور الاول يقول القاضي عياض (ذهب المحققون من الصوفية إلى ضرورة السعي فيما لا بد منه، ولكن لا يصح عندهم التوكل مع الالتفات والطمأنينة إلى الأسباب، بل فعل الأسباب سنة الله وحكمته، والثقة بأنها لا تجلب نفعاً، ولا تدفع ضراً، والكل من الله) (دليل الفالحين" ج2 ص3). ويقول ابن تيمية في كتابه (التحفة العراقية في أعمال القلوب )(التفات القلب إلى الأسباب قدح في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا قدحًا في العقل، والإعراض عن الأسباب قدح في الشرع)،ويقول ابن القيم (ومنه اشتباه خلع الأسباب بتعطيلها، فخلعها توحيد وتعطيلها إلحاد وزندقة، فخلعها عدم اعتمادِ القلب عليها، ووثوقِه وركونِه إليها مع قيامِه بها، وتعطيلها إلغاؤها عن الجوارح).
السببية وتوافر الشروط وانتفاء الموانع: ولم يكتفي علماء أهل السنة السببية بإثبات السببية، بل تناولوها بكثير من التفصيل، فقرروا مثلا ان السبب إنما يستوجب مسببه إذا توفرت شروطه وانتفت موانعه،وهو قول يعبر عن حقيقة علميه تتصل بمفهوم السببية ، وهى ان فاعليه اى سنه إلهيه( قانون)متوقفة على شرط مستمد من السنة الالهيه(القانون) الكلية التأثير المتبادل ، وهو عدم تدخل مؤثر، اى عدم تصادم السنة الالهيه (القانون) بسنه إلهيه (قانون) آخر، فالماء يغلى أذا وصلت حرارته إلى 100 بشرط ان يظل الضغط الجوى ثابتا(د.عصمت سيف الدولة،الأسس، ص 103). يقول الشاطبى ( وأما إذا لم تفعل الأسباب على ما ينبغي ولا استكملت شرائطها ولم تنتف موانعها فلا تقع مسبباتها شاء المكلف أو أبى ، لأن المسببات ليس وقوعها أو عدم وقوعها لاختياره. وأيضاً فإن الشارع لم يجعلها أسباباً مقتضية لمسبباتها إلا مع وجود شرائطها وانتفاء موانعها ، فإذا لم تتوفر لم يستكمل السبب أن يكون سبباً شرعياً سواء علينا أقلنا إن الشروط وانتفاء الموانع أجزاء أسباب أم لا ، فالثمرة واحدة).ويقول ابن تيميه ( فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع ، وكل ذلك بقضاء الله وقدره ، وليس شيء من الأسباب مستقلاً بمطلوبه بل لا بد من انضمام أسباب أخرى إليه ، ولا بد أيضاً من صرف الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل المقصود ، فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك. ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له. وبالطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل الله البدن من الأعضاء والقوى).
السببية التكوينية والسببية ألتكليفيه: كما ان التصور الاسلامى للوجود يرى ان السببية غير مقصورة على شكلها التكويني الذى مضمونه ان السببية هي مضمون السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى ، والقائمة على التلازم بين السبب والمسبب ، بل لها أيضا شكل تكليفي مضمونه قيام الأوامر والنواهي، التي مصدرها الوحي ،على قاعدة الشرطية، اى كون أحكام الله تعالى معلله ،وهو ما أشارت إليه الكثير من النصوص وقرره كثير من العلماء، ففى القران الكريم الكثير من الآيات التي تفيد تعليل الأحكام بصيغ متعددة منها:التصريح بلفظ الحكمة كقوله تعالى (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ) (القمر: 5). لام التعليل كقوله تعالى (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ) )الأنفال: 42.( كي التعليلية كقوله تعالى (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ) )الحشر: 7( . أنْ والفعل المستقبل بعدها كقوله تعالى(ان تَقُولُوا إنَّمَا أُنزِلَ الكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا) (الأنعام: 156( .ما هو من صريح التعليل كقوله تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ)(المائدة: 32). التعليل بلعلّ كقوله تعالى(لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ). يقول ابن القيم: (أنه -سبحانه- ربط الأسباب بمسبباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني الشرعي وأمره الكوني القدري، ومحل ملكه وتصرفه فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات، وقدح في العقول والفطر، ومكابرة للحس وجحد للشرع والجزاء…)، ويقول الإمام الشاطبي ( والمعتمد إنما هو أنّا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره، فإن الله تعالى يقول في بعثه الرسل وهو الأصل" رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل"، " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"،وقال في أصل الخلقة" وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملاً"...وأما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى، كقوله بعد آية الوضوء" ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم"،وقال في الصيام" كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"،وفي الصلاة: " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"( الموافقات ، 2/4، دار الكتب العلمية). وقد اثبت علم اصول الفقه السببية كما فى تفصيله لمفهوم العلة، والتي عرفها بأنها ما يدور معها الحكم وجوداً وعدماً، واعتبارها لركن من أركان القياس (بالاضافه الى الأصل اى الفعل التي تحدده القاعدة – الأصل (مثال شرب الخمر)، وحكم الأصل اى مضمون القاعدة – الأصل او طبيعة الإلزام فيها ( مثال تحريم شرب الخمر )،والفرع اى الفعل الذى لم تحدده اى قاعدة أصل (مثال تناول المخدرات) ،وحكم الفرع اى نفس حكم الأصل ( تحريم تناول المخدر)
المعجزات وامكانيه إلغاء السببية :كما ان المفهوم الاسلامى للسببية يفترق عن بعض مذاهب إثبات السببية، التي تنفى امكانيه إلغاء السببية بإلغاء علاقة التلازم بين السبب والمسبب مطلقا،كالمذاهب المادية فى السبييه، والمذاهب المثالية القائمة على مفهوم وحده الوجود فى الفلسفة الغربية، فالمفهوم الاسلامى للسببية قائم على انه يمكن لله تعالى إلغاء السببية بإلغاء علاقة التلازم بين السبب والمسبب جزئيا فى الحياة الدنيا كما فى معجزات الأنبياء كما تشير الايه ﴿ قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم ﴾، يقول الماوردي عن المعجزة ( هي ما خرق عادة البشر من خصال لا تستطاع إلا بقدرة إلهية تدل على ان الله تعالى خصه بها تصديقا على اختصاصه برسالته , فيصير دليلا على صدقه في ادعاء نبوته إذا وصل ذلك منه في زمان التكليف , وأما عند قيام الساعة إذا سقطت فيه أحوال التكليف فقد يظهر فيه من اشراطها ما يخرق العادة فلا يكون معجز المدعي نبوة )( أعلام النبوة ، ص 58 ).فالمعجزة هي انقطاع اضطراد السنن التي تضبط حركه ظاهره معينه تنتمي للوجود الشهادى،اى إلغاء السببية التي تشكل مضمون هذه السنن، كمحصله لظهور الفعل المطلق الذي ينفرد به لله تعالى(مضمون الربوبيه) ذاتيا (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا)،بخلاف اضطراد هذه السنن،واضطراد السببية التي هي مضمون هذه السنن، كمحصله لظهور الفعل المطلق (الذي ينفرد به الله تعالى) صفاتيا، لذا وصف القران انقطاع اضطراد السنن التي تضبط حركه ظاهره او ظواهر معينه، تنتمي للوجود الشهادى،وإلغاء السببية التي تشكل مضمون هذه السنن بالايه كما فى قوله تعالى Sadوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) وقوله تعالى(سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة )... وفى ذات الوقت وصف اضطراد السنن التي تضبط حركه الظواهر التي تنتمي للوجود الشهادى،وإضطراد السببية التي تشكل مضمون هذه السنن بالايه كما فى قوله تعالى (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) وقوله تعالى( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (،وبناءعلى هذا يمكن القول ان الاولى هى ايه خارقه " المعجزه" والثانيه هى ايه مضطرده.
كما ان المفهوم الاسلامى للسببية قائم على انه سيتم إلغاء السببية بإلغاء علاقة التلازم بين السبب والمسبب كليا فى الحياة الاخره، لأنه سيتم إبدال هذا الوجود الشهادى والسنن الالهيه التي تضبط حركته بوجود آخر غيبي"يوم يبدل الله الأرض غير الأرض والسماوات".

مفهوم التسخير: ومضمونه ان الكائنات، التي لها درجه التسخير،تظهر صفات ربوبية والوهيه الله تعالى،على وجه الإجبار,فهي دائما آيات داله على وجوده تعالى، يقول ابن القيم( فالكون كما هو محل الخلق والأمر مظهر الأسماء والصفات فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها)،وهى خاضعة للشكل التكويني من أشكال السببية دون شكلها والتكليفى، وبالتالي فان مفهوم السببية فى التصور الاسلامى للوجود يستند ثانيا إلى مفهوم التسخير،إذ هي مضمون السنن الالهيه (الكلية والنوعية) التي تضبط حركه الطبيعة المسخرة،ويترتب على ما سبق:
أولا: السببية التكوينية: فكما ذكرنا ان الكائنات، التي لها درجه التسخير، خاضعة للشكل التكويني من أشكال السببية دون شكلها والتكليفى.
ثانيا: الشكل الميكانيكي للسبييه والجبر:وهذه السببية التكوينية، التي تخضع لها الكاتئات التي لها درجه التسخير، تأخذ شكل انتقال ميكانيكي – الى – تلقائي – من السبب الى المسبب ، وهو ما يتسق مع كون حركتها جبريه ولا حرية فيها.
مفهوم الاستخلاف: ومضمونه إظهار الإنسان لربوبية وإلوهيته الله تعالى في الأرض ، وهو ما يكون بالعبودية والعبادة، وذلك على المستوى الصفاتى، اى إظهار لصفات ربوبية والوهيه الله تعالى (ما دل على وجوده المطلق فعلا وغاية ) في الأرض (عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان ) قدر طاقته المحدودة. يقول الالوسى ( فلابد من إظهار من تم استعداده وقابليته ليكون مجليا لي ومراه لاسمائى وصفاتي)( الالوسى،روح المعنى،ص223).وإظهار صفات الربوبية يكون بتوحيد الربوبية كما سبق بيانه والعبودية، ولا تعنى العبودية إلغاء الفعل الانسانى بل تحديده، وذلك باتخاذ مقتضى صفات الربوبية ضوابط موضوعيه مطلقه للفعل الانسانى ، وبناء على هذا يصبح مضمون الاستخلاف أن تأخذ حركه الإنسان شكل فعل غائي محدود بغاية مطلقه(الالوهيه) وفعل مطلق( الربوبية)، اى كدح إلي الله بالتعبير القرانى" يا أيها الإنسان انك كادح إلي بربك كدحا فملاقيه، ومضمون هذه الحركة - من جهة علاقتها بالسببية - ان يعرف الإنسان سببيه السنن (الالهيه الكلية والنوعية) التي تضبط حركه الإنسان المستخلف،ثم يلتزمها، ويترتب على ما سبق :
أولا: وجوب الأخذ بالأسباب: ان مفهوم السببية فى التصور الاسلامى للوجود يستند ثالثا إلى مفهوم الاستخلاف،وطبقا له فان الإنسان المستخلف خاضع للشكلين والتكليفى و التكويني من أشكال السببية،على الوجه السابق بيانه، وقد عبر العلماء عن هذا بالقول بوجوب الأخذ بالأسباب يقول ابن حجر في الفتح( المراد بالتوكل اعتقاد ما دلت عليه هذه الآية: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ـ وليس المراد به ترك التسبب والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين، لأن ذلك قد يجر إلى ضد ما يراه من التوكل، وقد سئل أحمد عن رجل جلس في بيته، أو في المسجد وقال: لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي، فقال: هذا رجل جهل العلم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي، وقال: لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ـ فذكر أنها تغدو وتروح في طلب الرزق، قال: وكان الصحابة يتجرون ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم).
السببية لا تلغى حريه الاراده الانسانيه : والسببية فى التصور الاسلامى للوجود لا يلزم منها إلغاء أراده الإنسان وقدرته على الفعل والاختيار، بل هي شرط للاراده الانسانيه ، اى يتوقف عليها نجاح الفعل او فشله ، وللإنسان ان يحترم سببيه السنن الالهيه التي تضبط حركته ،فينجح في تحقيق ما يريد، أو لا يحترم سببيتها فيفشل، فهي على مستوى الوجود الاستخلافى (الانسانى) محصله فعل واعي ارادى، قائم على معرفه بالسببية والتزام بها،وليست مجرد انتقال ميكانيكي(إلى)من السبب إلى المسبب،كما فى الوجود التسخيرى (الطبيعي)، فضلا عن انه رغم ان كل من الوجود ين التسخيرى والاستخلافى يخضعان لذات السنن الالهيه الكلية(الحركة والتغير والتأثير المتبادل) إلا ان لكليهما سنن إلهيه نوعيه تضبط حركته، وطبقا لهذه السنن الالهيه النوعية، فان حركه الوجود التسخيرى الطبيعي هي مجرد نمو بدون أضافه ( اى تحول) ، بينما حركه الوجود الاستخلافى ( الانسانى) هي نمو من خلال الاضافه ( اى تطور).

ثانيا: النتائج التطبيقية للمفهوم الاسلامى للسببية:
القضاء والقدر: القضاء والقدر يتعلقان بظهور فعل الله تعالى المطلق (الربوبية ) في عالم الشهادة من جهة الإيجاد ،اى ظهور صفه الإيجاد فيه .فالقضاء يدل على فعله المطلق من جهه الإلزام (الحتمية)، اى وجوب نفاذ فعله المطلق، يقول تعالى " وكان على ربك حتما مقضيا " أما القدر فيدل على فعل الله المطلق من جهه التحقق . ولما كان ظهور فعله المطلق تعالى في عالم الشهادة يتم من خلاله السببية، اى تحققه بتحقق السبب وتخلفه بتخلف السبب، فان الله تعالى لا يجعل فعله المطلق يتحقق إلا عند ما يوفر أسباب ( شروط) تحققه، وهو معنى القدر في الاستعمال القرانى ."إنا كل شئ خلقناه بقدر " (القمر : 49 ،على هذا فان كون الفعل المطلق لله تعالى لازم النفاذ (القضاء) او تحققه في عالم الشهادة( القدر) لا يترتب عليه ان الإنسان مجبور على فعله . والقضاء والقدر مرتبط بصفتي العلم والإرادة الإلهيتين:
أولا: الإرادة الالهيه والفعل الانسانى : الإرادة الالهيه على نوعين
الإرادة التكليفية : وتظهر من خلال القواعد الأمر والناهية التي اوجب الله تعالى على الإنسان التزامها في شرعه وهى بالتالي لا جبر فيها.
الإرادة التكوينية :وتظهر فى السنن الالهيه التي تحكم حركة الوجود بما فيه الفعل الانسانى، وهى أيضا لا يترتب عليها إجبار الإنسان على فعله او إلغائه، إذ أن هذه السنن هي شرط للاراده الانسانيه، اى يتوقف عليها نجاح الفعل او فشله ، وللإنسان ان يحترم حتميتها فينجح في تحقيق ما يريد، أو لا يحترم حتميتها فيفشل.
العلم الالهى والفعل الانسانى : أما علم الله المطلق بالفعل الانسانى فلا يترتب عليه أيضا إجبار الإنسان عليه، إذ ان الله تعالى يعلم به الإنسان سيقوم بالفعل المعين بما أودع فيه من حرية الإرادة وعلى مقتضى الأسباب التي وضعها تعالى لحدوث الفعل يقول الشوكانى ( فاحمل أحاديث الفراغ من الفضاء على تسبب العبد بأسباب الخير والشر، وليس في خلاف ذلك لما وقع فى الأزل، ولا مخالفة لما تقدم العلم به ، بل هو من تقييد المسببات بأسبابها، كما قدر الشبع والاكل والري بالشرب، وقدر الولد بالوطأ، وقدر حصول الزرع بالبذر، فهل يقول قائل بأن ربط هذه المسببات بأسبابها تقتضى خلاف العلم السابق ،أو ينافيه بوجه من الوجوه ،فلو قال قائل انا لا أكل ولا اشرب بل انتظر القضاء فان قدر الله لي ذلك كان وان لم يقدره لم يكن، أو قال ان لا ازرع ولا أجامع زوجتي فان قدر الله لى الزرع والولد حصلا ،وان لم يقدرهما لم يحصلا ،أليس هذا قائل قد خالف ما فى كتب الله سبحانه وتعالى،وما جاءت به رسله،وما كان عليه رسول الله (ص) وأصحابه).
التوفيق والخذلان :و الله تعالى هو خالق فعل الإنسان من جهة السنن التي يتعلق نجاح الفعل او فشله عليها، والتي هي ظهور تكويني لصفة الخلق. والإنسان كاسب فعله من جهة معرفته حتمية هذه السنن تم التزامها، اى معرفة سبب تحقق السنة الإلهية ثم التزامها لينجح في تحقيق على ما يريد على مقتضى هذه السنة ، غير ان الإنسان ذو علم وإرادة محدودين كسائر صفاته "وما اتيتم من العلم إلا قليلا " ( الإسراء: 85) ويوضح القران أمثله لتلك المحدودية بان الإنسان قد يكره شيئاً وهو خير له فى التحليل النهائي والعكس " وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون "(البقرة:15) بينما الله تعالى ذو علم وإرادة مطلقتين كسائر صفاته ، وعلى هذا فانه تعالى بعلمه وارادته المطلقتين إنما هو الذى يوفق الإنسان ذو العلم والإرادة المحدودتين إلى معرفة وإلزام السنن الإلهية فينجح فى تحقيق فعله، أو يخذله عن معرفتها والتزامها فيفشل في فعله، يقول محمد وفاء درويش (ان التوفيق عناية خاصة يتولى بها رب العباد بعض عباده فضلا منه، فيجعل أعمال هذا العبد موافقة لأسباب ظاهرة بالحيز الذى يجهل طرقه ، أما الخذلان فهو ان يترك الله العبد لاجتهاد وما منحه من المواهب العامة فلا يمنحه شيئا من العناية الخاصة التى منحها من كتب له التوفيق )(ا بو الوفاء سيد درويش، محاضره في القضاء والقدر، مصر ،1964 ،ص10 )،فالتوفيق والخذلان هما التصور الاسلامى البديل للصدفة والحظ ، وهو تصور لا يتضمن إلغاء العلم والإرادة الإنسانيتين بل تحديد لهما لضمان استمراريتهما يقول تعالى" ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " يقول الإمام ابى حنيفة ( خلق الله تعالى الخلق سليما من الكفر والإيمان ثم خاطبهم وأمرهم ونهاهم فكفر من كفر بفعله وإنكاره وجحوده الحق بخذلان الله تعالى اياه ومن امن بفعله وإقراره وتصديقه بتوفيق الله تعالى اياه ونصر له )( الفقه الأكبر، ص180)

الكرامات: اثبت أهل السنة بفرقهم المختلفة كرامات الأولياء ، غير أن هناك مذهبين في إثباتها، و بالتالي تفسيرها:
الاول:مذهب الإثبات المطلق:اى إثبات الكرامة دون تقييد مضمونها:تكوينيا: فالكرامة يمكن أن تتم بانقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود،وإلغاء السببية ، اى إلغاء علاقة التلازم بين السبب والمسبب،وهو ما عبر عنه أصحاب هذا التفسير بتعريف الكرامة بأنها " خرق للعادة"، والمقصود بالعادة عند أصحاب هذا التفسير العادة المضطرة اى السنن الالهيه. غير أن هذا التفسير لا يوضح الفرق بين الكرامة والمعجزة، لذا رفضه عدد من متأخري الأشاعرة و المتصوفة منهم ألسبكي القائل )معاذ الله أن يتحدى نبي بكرامه تكررت على ولي، بل لا بد أن يأتي النبي بما لا يوقعه الله على يد الولي ،و إن جاز وقوعه فليس كل جائز في قضايا العقول واقعا . و لما كانت مرتبة النبي أعلى و أرفع من مرتبة الولي كان الولي ممنوعا مما يأتي به النبي على الإعجاز و التحدي، أدبا مع النبي )( طبقات الشافعية 2/320 ).
الثانى:مذهب الإثبات المقيد: اى إثبات الكرامة مع تقييد مضمونها تكوينيا بالتزام حتمية السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود ، وبالتالي فان الكرامة هي تكريم الله تعالى لشخص صالح ،دون انقطاع باضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود،ودون إلغاء السببية ، اى دون إلغاء علاقة التلازم بين السبب والمسبب، يقول الاسفرائينى (إن الكرامة لا تبلغ مبلغ خرق العادة وإنما هي إجابة دعوة أو موافاة ماء في.غير موقع المياه أو ما ضاهي ذلك، وكل ما جاز معجزة لنبي لم يجز كرامة لولي)( الاسفرائينى، الموافقات، ص25.) ،وهو يقارب رأى عدد من العلماء الذين فرقوا بين الكرامة والمعجزة بان ما جاز معجزه لنبي لا يجوز كرامه لولى ، يقول الإمام النووي (قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين الذي صار إليه أهل الحق جواز انخراق العادة في حق الأولياء ... قال وصار بعض أصحابنا إلي أن ما وقع معجزة للنبي لا يجوز تقدير وقوعه كرامه لولي فيمتنع عند هؤلاء أن ينفلق البحر وينقلب العصا ثعبان ويحي الموتى إلي غير ذلك من آيات الأنبياء كرامة لولي )( الإمام النووي، بستان العارفين، ص 30.)، و رفض أبو محمد بن أبي زيد المالكي الكرامة طبقا للتفسير الأول إلا بشرط حدوثها في المنام , وتبعه في هذا الراى عددا من العلماء منهم أبا الحسن علي القابسي (ت 403هـ) وأبا جعفر أحمد الداودي (402هـ). وجوز الإمام ابن حزم من أهل الظاهر الكرامة طبقا للتفسير الأول في حياة الرسول أما بعد موته صلى الله عليه وسلم فيرى انه لا سبيل إلى شيء من هذا. (ابن حزم، الأصول والفروع،دار الكتب العلمية،بيروت،1984.)، وطبقا لهذا التفسير يجوز الأخذ بالتعريف الكرامة بأنها"خرق للعادة".بشرط أن يكون المقصود بالعادة ما اعتاد عليه الناس لا العادة المضطردة، ورد في شرح العقيدة الطحاويه"فالمعجزة في اللغة كل أمر خارق للعادة ،وكذلك الكرامة في عرف ألائمه أهل العلم المتقدمين، ولكن كثير من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما...وجماعها الأمر الخارق للعادة...وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله ،ويعلمه ما علمه الله إياه، ويستغنى عما أغناه الله ،ويقدر على ما اقدره الله عليه من الأمور المخالفة للعادة المضطردة أو لعاده اغلب الناس ،فجميع المعجزات والكرامات لا تخرج عن هذه الأنواع )( شرح العقيدة الطحاويه ،مكتبه الدعوة الاسلاميه،القاهرة،ص 499.)، ونحن إذ نرجح التفسير الثاني ، فإننا نرى انه بفرض صحة التفسير الاول، فانه لا يجوز القول به بعد ختم النبوة ،ونستأنس هنا بموقف الإمام ابن حزم السابق ذكره والقائم على جواز الكرامة طبقا للتفسير الأول في حياة الرسول، أما بعد موته صلى الله عليه وسلم فيرى انه لا سبيل إلى شيء من هذا. (ابن حزم، الأصول والفروع،دار الكتب العلمية،بيروت،1984.).

السحر:اثبت أهل السنة بفرقهم المختلفة وجود السحر، لثبوته بالقران ، وقالوا انه ينقسم إلى قسمين:
الاول تخييلى: وهو قلب الأعيان بالنسبة للمعاين لا في ذاتها( اى تغيير الإدراك الحسي للأشياء) ومنه قوله تعالى( يحيل إليه من سحرهم أنها تسعى)[ طه: 66]،وكذلك وصف سحر الرسول (صلى الله عليه وسلم) فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رض أنها قالت "سحر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى كان ليخيل إليه انه ياتى النساء ولم يأتهن".
الثانى:حقيقي: وهو قلب الأعيان في ذاتها(اى تغيير الحقيقة الموضوعية للأشياء).
وإذا كان لا خلاف في تفسير السحر التخييلى فان هناك مذهبين في تفسير السحر الحقيقي :
الاول:الإثبات المطلق: اى القول بأن السحر الحقيقي هو قلب للأعيان في ذاتها (اى انه يغير الحقيقة الموضوعية للأشياء) على وجه الإطلاق ،ويعنى هذا ان القلب أو التغيير يمكن أن يتم حتى بانقطاع اطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود،وإلغاء السببية ، اى إلغاء علاقة التلازم بين السبب والمسبب.
الثانى:الإثبات المقيد:اى إثبات وجود السحر الحقيقي مع تقييده بعدم انقطاع اطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود، اى تفسيره بأنه قلب للأعيان التي تتيح السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود امكانيه قلبها اى تغيير حقيقتها الموضوعية،اى دون إلغاء السببية، بعبارة أخرى فان هذا التغيير يتم طبقا لقوانين نوعيه(هي بمثابة شرط لفاعليه القوانين الكلية) يعلمها الساحر ويجهلها غيره، اى انه يتم طبقا لأسباب يعلمها الساحر ويجهلها غيره.ونجد إشارات لهذا التفسير عند بعض العلماء: يقول القرطبي ( السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء والعلم بوجوه تركيبها وأوقاتها، وأكثرها تخييلات بغير حقيقة، وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون: (وجاءوا بِسِحْرٍ عظيم)(الأعراف: 116). مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالاً وعصيًا. ثم قال: والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكور أن الجماد ينقلب حيوانًا أو عكسه بسحر الساحر ونحو ذلك). ويقول الجوهري(السحر الآخذة ، وكلّ ما لَطُف مأخذه ودَقّ فهو سحر . وسحره أيضا بمعنى خدعه . وقال ابن مسعود: كنّا نُسَمّي السحر في الجاهلية العِضَة. والعضة عند العرب: شدّة البَهْت وتمويه الكذب ).
العلم و الخرافة: ويتضح إثبات الإسلام للسببية أيضا من خلال دعوته إلى العلم و انتهاج التفكير العلمي القائم على ان هناك قوانين (سنن الالهيه) تضبط حركه الأشياء والظواهر والإنسان، وان مضمونها هو السببية التي تقوم على علاقة التلازم بين السبب والمسبب . ومن خلال رفضه للخرافة والتفكير الخرافي الذى يقوم على إنكار وجود قوانين (سنن الالهيه) تضبط حركه الأشياء والظواهر، اى امكانيه انقطاع باضطرادها،وإنكار مضمونها اى إنكار السببية التي تقوم على علاقة التلازم بين السبب والمسبب . فقد ورد النهى عن كثير من أنماط التفكير الخرافي ،التي كانت سائدة في المجتمع العربي الجاهلي:كالكهانة ( من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد بريء مما انزله الله على محمد)( رواه الطبراني)،والتنجيم (من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبه من السحر)( رواه أبو داود وابن ماجه)،والعرافة (من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاه أربعين يوما)،والتطير(العيافه والطيرة والطرق من الجبت)،والسحر(...ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر...).
التوكل: التوكل من المفاهيم الاسلاميه التي دعت اليها الكثير من النصوص منها قوله تعالى(وعلى اللهِ فليَتَوَكَّلِ المتوكِّلونَ} [المائدة: 23] ،و جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة له فقال: يا رسول الله أأرسل ناقتي وأتوكل ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "أعقلها وتوكل" (رواه الترمذي في كتاب صفة القيامة. وقال: غريب).وهو لا يتناقض مع حريه الاراده الانسانيه او السببية او الأخذ بالأسباب لان مضمونه ليس إلغاء الاراده الانسانيه ،بل تقييدها بالاراده الالهيه في شكلها والتكليفى: بمعرفه والتزام القواعد الأمر والناهية التي جاء بها الوحي. والتكويني: بمعرفه والتزام سببيه السنن الالهيه التي تحكم حركة الوجود. كما تعرض العلماء بالنقد للفهم الخاطئ للتوكل بمعنى إلغاء الفعل والاراده الانسانيه، وعدم الأخذ بالأسباب.يقول الإِمام الغزالي: (قد يظن الجهال أن شرط التوكل ترك الكسب وتركُ التداوي والاستسلامُ للمهلكات. وذلك خطأ لأن ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على التوكل، وندب إِليه فكيف يُنال ذلك بمحظورة)( الأربعين في أصول الدين" للغزالي ص246)، ويقول شارح العقيدة الطحاوية( قد يظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب، وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب، وهذا فاسد، فإن الاكتساب منه فرض، ومنه مستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه حرام، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أفضل المتوكلين يلبس لأمة الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب).

الجن بين الوجود الخارق والوجود الفائق: إذا كان التصور المادي للوجود يرى أن الوجود يقتصر على الوجود المادي، فان التصور الاسلامى للوجود قائم على أن الوجود لا يقتصر على الوجود الشهادى( المتضمن لوجود الإنسان)، بل يمتد ليشمل الوجود الغيبي بشكليه :المحدود(غير القائم بذاته)(كوجود كائنات غيبيه كالملائكة والجن والشيطان)، والمطلق(القائم بذاته)( كوجود الله تعالى). وهو وجود (غائب) عن حواس الإنسان، وبالتالي عن إدراكه وتصوره. غير ان هناك مذهبين فى تحديد طبيعة العلاقة بين الجن والوجود الشهادى ،والسنن الالهيه التي تضبط حركته ،والسببية التي تشكل مضمون هذه السنن الالهيه :
المذهب الاول: الوجود الخارق: يرى ان للجن وجود خارق لهذا الوجود الشهادى ، اى يمكنه قطع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه هذا الوجود الشهادى، وبالتالي إلغاء السببية التي تشكل مضمون هذه السنن، غير ان هذا المذهب يلزم منه ان وجود الجن مطلق،وهو ما ينافى التوحيد.
المذهب الثاني: الوجود المفارق( الفائق ) :يرى ان وجود الجن مفارق لهذا الوجود الشهادى وليس خارق له ، فهو لا ينتمي إلى هذا العالم والسنن الالهيه التي تضبط حركته ،ولكنه ينتمي إلى درجه أخرى من درجات الوجود خاضعة لسنن إلهيه أخرى ،.فالجن غير خاضع للسنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى والسببية التي تشكل مضمون هذه السنن،دون أن يعنى هذا انه تتوافر له امكانيه إلغاء أو إبطال هذه السببية، فعلاقة وجوده وحركته بهذه السببية هي علاقة غيريه لا علاقة نفى ، فهو مفارق وليس خارق لهذه السنن والسببية التي تشكل مضمونها. لذا فان الجن بوجوده المفارق هذا قد يفوق الإنسان فى القدرة لكن قدرته ليست مطلقه، والقول بامكانيه قطع اضطراد هذه السنن الالهيه، وإلغاء السببية التي تشكل محتوى هذه السنن، بواسطة الجن أو غيره ، يلزم منه ان وجود الجن مطلق، فضلا عن كونه نقض للاراده الالهيه التي تظهر تكوينيا في الوجود الشهادى في شكل سنن الالهيه مضمونها السببية، كما تظهر في درجات الوجود الغيبي المحدود في شكل سنن إلهيه أخرى، قال تعالى{ يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بسلطان} ( الرحمن :33) يقول القرطبي:...( َقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنْ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الْأَرْض فَاعْلَمُوهُ , وَلَنْ تَعْلَمُوهُ إِلَّا بِسُلْطَانٍ أَيْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ اللَّه تَعَالَى . وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّ مَعْنَى : " لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ " لَا تَخْرُجُونَ مِنْ سُلْطَانِي وَقُدْرَتِي عَلَيْكُمْ . قَتَادَة : لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِمَلَكٍ وَلَيْسَ لَكُمْ مَلَك . وَقِيلَ : لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا إِلَى سُلْطَان , الْبَاء بِمَعْنَى إِلَى , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَقَدْ أَحْسَنَ بِي " [ يُوسُف : 100 ] أَيْ إِلَيَّ . وَقَوْله : " فَانْفُذُوا " أَمْر تَعْجِيز) ، وكدليل على محدودية قدره الجن ، يقرر القران ان تفوق قدره الجن على قدره الإنسان ليست مطلقه، كما فى قوله تعالى(قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ* قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ )(النمل: 39-40) حيث ان اغلب المفسرين يرون ان الذى عنده علم من الكتاب والذي فاق العفريت من الجن هو من الإنس وليس من الجن ، ورد فى تفسير ابن كثير(" قَالَ الَّذِي عِنْده عِلْم مِنْ الْكِتَاب " قَالَ اِبْن عَبَّاس وَهُوَ أصف كَاتِب سُلَيْمَان وَكَذَا رَوَى مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ يَزِيد بْن رُومَان أَنَّهُ آصَف بْن بَرْخِيَاء وَكَانَ صِدِّيقًا يَعْلَم الِاسْم الْأَعْظَم وَقَالَ قَتَادَة كَانَ مُؤْمِنًا مِنْ الْإِنْس وَاسْمه آصَف وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِح وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْإِنْس زَادَ قَتَادَة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل ...)، كما ان اغلب المفسرين قالوا ان هذا الإنسان نال درجه الصديقيه ، ورد فى تفسير الطبري(...حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { قَالَ عِفْرِيت } لِسُلَيْمَان { أَنَا آتِيك بِهِ قَبْل أَنْ تَقُوم مِنْ مَقَامك وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيّ أَمِين } فَزَعَمُوا أَنَّ سُلَيْمَان بْن دَاوُد قَالَ : أَبْتَغِي أَعْجَل مِنْ هَذَا , فَقَالَ آصف بْن برخيا , وَكَانَ صِدِّيقًا يَعْلَم الِاسْم الْأَعْظَم )، والصديقيه هى درجه صحبه الأنبياء ورد فى تفسير الجلالين وَالصِّدِّيقِينَ" أَفَاضِل أَصْحَاب الْأَنْبِيَاء لِمُبَالَغَتِهِمْ فِي الصِّدْق وَالتَّصْدِيق وهى الدرجة التالية لدرجه النبوة، واعلي درجات الولاية " العامة" قال تعالى( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)،ورد فى تفسيرابن كثير( ثُمَّ قَالَ تَعَالَى أَيْ مَنْ عَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّه بِهِ وَرَسُوله وَتَرَكَ مَا نَهَاهُ اللَّه عَنْهُ وَرَسُوله فَإِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يُسْكِنهُ دَار كَرَامَته وَيَجْعَلهُ مُرَافِقًا لِلْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ لِمَنْ بَعْدهمْ فِي الرُّتْبَة وَهُمْ الصِّدِّيقُونَ) ،وبناءا على ما سبق فان فعل الذى عنده علم من الكتاب(اى الإنسان الذى نال درجه الصديقيه، باعتبارها أعلى درجات الولابه العامة)،والذي فاق فعل الجن هو كرامه،ورد فى تفسير القرطبى( قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ النَّاس أَنَّهُ رَجُل صَالِح مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل اِسْمه آصَف بْن برخيا ... فَمَا رَدَّ سُلَيْمَان بَصَره إِلَّا وَهُوَ عِنْده... وَقِيلَ : أَرَادَ مِقْدَار مَا يَفْتَح عَيْنه ثُمَّ يَطْرِف , وَهُوَ كَمَا تَقُول : اِفْعَلْ كَذَا فِي لَحْظَة عَيْن ; وَهَذَا أَشْبَه ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْفِعْل مِنْ سُلَيْمَان فَهُوَ مُعْجِزَة , وَإِنْ كَانَ مِنْ آصَف أَوْ مِنْ غَيْره مِنْ أَوْلِيَاء اللَّه فَهِيَ كَرَامَة , وَكَرَامَة الْوَلِيّ مُعْجِزَة النَّبِيّ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقَدْ أَنْكَرَ كَرَامَات الْأَوْلِيَاء مَنْ قَالَ إِنَّ الَّذِي عِنْده عِلْم مِنْ الْكِتَاب هُوَ سُلَيْمَان ,...)، وكما ذكرنا سابقا فأن هناك مذهبين تفسيرالكرمات الاول: يرى ان الكرامة تتم بانقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود،وإلغاء السببية التي تشكل مضمون هذه السنن،وهو ما عبر عنه أصحاب هذا التفسير بتعريف الكرامة بأنها " خرق للعادة"، والمقصود بالعادة عند أصحاب هذا التفسير العادة المضطرة اى السنن الالهيه. غير أن هذا التفسير لا يوضح الفرق بين الكرامة والمعجزة، لذا رفضه عدد من متأخري الأشاعرة و المتصوفة. والثاني:يرى ان الكرامة هي تكريم الله تعالى لشخص صالح ،دون انقطاع باضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود،ودون إلغاء السببية ، وطبقا لهذا التفسير يجوز الأخذ بالتعريف الكرامة بأنها"خرق للعادة".بشرط أن يكون المقصود بالعادة ما اعتاد عليه الناس لا العادة المضطردة.
كما ان الجن بوجوده المفارق هذا قد يفوق الإنسان فى العلم لكن علمه ليس مطلق،فالقران الكريم يقرر ان الجن لا يعلم الغيب كما فى قوله تعالى( وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُد مِنْهَا مَقَاعِد لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الْآن يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبّهمْ رَشَدًا )، وقوله تعالى ( وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ* لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ *دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ* إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ)، والمقصود بالغيب هنا الغيب المطلق الذي ينفرد بالعلم به الله تعالى، أما الغيب النسبي (اى ما غاب عن علم الإنسان في مكان أو زمان معينين وفى ذات الوقت ينتمي إلى الوجود الشهادى المحدود بالزمان والمكان )، قد تتوافر للجن امكانبه العلم به . بل ان القران الكريم بقرر ان الجن لا يعلم كل أحداث عالم الشهادة {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} (سبا: 41).
ظواهر خارقه أم ظواهر مجهولة السبب:كما ان هناك العديد من الظواهر الغامضة، والتي تبدو وكاْن حركتها غير منضبطة بقانون موضوعي ، وهناك العديد من المفكرين الإسلاميين يعتقدون أن الموقف الاسلامى من هذه الظواهر هو القول بأنها خارقه،اى أنها تتم من خلال انقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركتها ، وإلغاء السببية التي تشكل مضمون هذه السنن، غير ان هذا القول يعنى أنها تنتمي إلى الغيب المطلق الذي قرر الإسلام انه لا تتوافر للعقل امكانيه معرفته ونهى عن الخوض فيه بدون دليلي نقلى يقيني الورود قطعي الدلاله( قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ)،كما يخالف هذا القول تقرير المنهج الاسلامى ان هناك سنن إلهيه تضبط حركه الوجود ،وان هذه مضمون هذه السنن الالهيه السببية اى تحقق السبب بتوافر المسبب وانتفائه بانتفاء المسبب،. والظواهر الخارقة الوحيدة التي اقر الإسلام بوجودها هي معجزات الأنبياء بما انقطاع اضطراد السنن الالهيه (القوانين الموضوعية) التي تضبط حركه الوجود الشهادى كمحصله لظهور الفعل المطلق الذي ينفرد به لله تعالى(مضمون الربوبيه) ذاتيا (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا)بخلاف اضطراد هذه القوانين كمحصله لظهور الفعل المطلق الذي ينفرد به الله تعالى صفاتيا، غير انه في ذات الوقت فان الإسلام قد قرر ان المعجزات قد انقطعت بختم النبوة بوفاة محمد (ص) )"ماكان محمد أبا احد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين".
فهذه السنن الالهيه(القوانين الموضوعية( التى تضبط حركه الوجود الشهادى تنقسم إلى قسمين:السنن الالهيه (القوانين) الكلية التي تضبط حركه الوجود الشامل للإنسان المستخلف والطبيعة المسخرة(الحركة والتغير والتأثير المتبادل)، والسنن الالهيه(القوانين) النوعية التي تضبط حركه نوع معين من أنواع الوجود، وطبقا لهذا فان تفسير هذه الظواهر لا يخرج عن إطار معرفتنا بهذه السنن الالهيه(القوانين) الكلية مع جهلنا بالقانون النوعي لها ،والذي يحدد لنا شرط فعالية هذه السنن الالهيه (القوانين)الكلية فيها، ، فهي تتم على مقتضى علاقة التلازم بين الأسباب والمسببات [/b
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
السببية فى الفكر الاسلامى:أصولها الفكرية ونتائجها التطبيقية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الثقافة العربية :: الفكر الحر-
انتقل الى: